فصل: تفسير الآيات (145- 148):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (133- 140):

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)}
{فأرسلنا عليهم الطوفان} ودام ذلك سبعة أيَّام، فقالوا: {يا موسى ادعُ لنا ربك} يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا ربَّه فكشف، فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت عامَّة زروعهم وثمارهم، فوعدوه أن يؤمنوا إن كشف عنهم، فكشف فلم يؤمنوا، فبعث الله عليهم القمَّل، وهو الدّباء الصِّغار البق التي لا أجنحة لها، فتتبَّعَ ما بقي من حروثهم وأشجارهم، فصرخوا فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فعادوا بكفرهم، فأرسل الله عليهم الضَّفادع تدخل في طعامهم وشرابهم، فعاهدوا موسى أن يؤمنوا، فكشف عنهم فعادوا لكفرهم، فأرسل الله عليهم الدَّم، فسال النِّيل عليهم دماً، وصارت مياههم كلُّها دماً، فذلك قوله: {آيات مفصلات} مبيَّنات {فاستكبروا} عن عبادة الله.
{ولما وقع عليهم الرجز} أَيْ: العذاب، وهو ما كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} بما أوصاك به وتقدَّم إليك أن تدعوه به {لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل} وقوله: {إلى أجل هم بالغوه} يعني: إلى الأجل الذي غَرَّقهم فيه {إذا هم ينكثون} ينقضون العهد ولا يوفون.
{فانتقمنا منهم} سلبنا نعمتهم بالعذاب {فأغرقناهم في اليم} في البحر {بأنهم كذبوا بآياتنا} جزاء تكذيبهم {وكانوا عنها غافلين} غير معتبرين بها.
{وأورثنا القوم} ملَّكناهم {الذين كانوا يستضعفون} بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم {مشارق الأرض ومغاربها} جهات شرق أرض الشَّام، وجهات غربها، {التي باركنا فيها} بإخراج الزُّروع والثِّمار، والأنهار والعيون {وتمت كلمة ربك الحسنى} مواعيده التي لا خلف فيها بما كانوا يحبُّون، وذلك جزاء صبرهم على صنيع فرعون {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} أهلكنا ما عمل فرعون وقومه في أرض مصر {وما كانوا يعرشون} وما بنوا المنازل والبيوت.
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} عبرنا بهم البحر {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} يعبدونها مقيمين عليها {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً} من دون الله {كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون} نعمة الله عليكم وما صنع بكم، حيث توهَّمتم أنَّه يجوز عبادة غيره.
{إنَّ هؤلاء} يعني: الذين عكفوا على أصنامهم {متبَّرٌ ما هم فيه} مهلَكٌ ومدَمَّرٌ {وباطل ما كانوا يعملون} يعني: إنَّ عملهم للشَّيطان، ليس لله فيه نصيبٌ.
{قال أغير الله أبغيكم} أطلب لكم {إلهاً} معبوداً {وهو فضلكم على العالمين} على عالمي زمانكم بما أعطاكم من الكرامات.

.تفسير الآيات (142- 144):

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)}
{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} يترقَّب انقضاءها للمناجاة، وهي ذو القعدة. أمره الله تعالى أن يصوم فيها، فلمَّا انسلخ الشَّهر استاك لمناجاة ربِّه يريد إزالة الخلوف، فأُمر بصيام عشرةٍ من ذي الحجَّة؛ ليكلِّمه بخُلوفِ فيه، فذلك قوله: {وأتممناها بعشر فتمَّ ميقات ربِّه} أَيْ: الوقت الذي قدَّره الله لصوم موسى {أربعين ليلة} فلمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومه، وهو معنى قوله: {وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح} أَيْ: وارفق بهم {ولا تتبع سبيل المفسدين} لا تطع مَنْ عصى الله، ولا توافقه على أمره.
{ولما جاء موسى لميقاتنا} أَيْ: في الوقت الذي وقَّتنا له {وكلمه ربُّه} فلمَّا سمع كلام الله {قال ربِّ أرني} نفسك {أنظر إليك} والمعنى: إنَّي قد سمعتُ كلامك فأنا أحبُّ أن أراك {قال لن تراني} في الدُّنيا {ولكن} اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل {فإن استقر مكانه} أَيْ: سكن وثبت {فسوف تراني} وإن لم يستقرَّ مكانه فإنَّك لا تطيق رؤيتي، كما أنَّ الجبل لا يطيق رؤيتي {فلما تجلى ربه} أَيْ: ظهر وبان {جعله دكاً} أَيْ: مدقوقاً مع الأرض كِسَراً تراباً {وخرَّ} وسقط {موسى صعقاً} مغشياً عليه {فلما أفاق قال سبحانك} تنزيهاً لك من السُّوء {تبتُ إليك} من مسألتي الرُّؤية في الدُّنيا {وأنا أول المؤمنين} أوَّل قومي إيماناً.
{قال يا موسى إني اصطفيتك} اتَّخذتك صفوةً {على الناس برسالاتي} أَيْ: بوحيي إليك {وبكلامي} كلَّمتك من غير واسطة {فخذ ما آتيتك} من الشَّرف والفضيلة {وكن من الشاكرين} لأنعمي في الدنيا والآخرة.

.تفسير الآيات (145- 148):

{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)}
{وكتبنا له في الألواح} يعني: ألواح التَّوراة {من كل شيء} يحتاج إليه في أمر دينه {موعظة} نهياً عن الجهل {وتفصيلاً لكل شيء} من الحلال والحرام {فخذها} أَيْ: وقلنا له: فخذها {بقوة} بجدٍّ وصحِّةٍ وعزيمةٍ {وأمر قومك} أن {يأخذوا بأحسنها} أَيْ: بحسنها، وكلُّها حسن {سأريكم دار الفاسقين} يعني: جهنَّم، أَيْ: ولتكن على ذكرٍ منهم لتحذورا أن تكونوا منهم.
{سأصرف عن آياتي} يعني: السَّموات والأرض. أصرفهم عن الاعتبار بما فيها {الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} يعني: المشركين. يقول: أعاقبهم بحرمان الهداية {وإن يروا سبيل الرشد} الهدى والبيان الذي جاء من الله {لا يتخذوه سبيلاً} ديناً {وإن يروا سبيل الغي} طاعة الشَّيطان {يتخذوه سبيلاً} ديناً {ذلك} فعل الله بهم {بأنهم كذبوا بآياتنا} جحدوا الإِيمان بها {وكانوا عنها غافلين} غير ناظرين فيها، ولا معتبرين بها.
{والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} يريد: الثَّواب والعقاب {حبطت أعمالهم} ضلَّ سعيهم {هل يجزون إلاَّ ما} أَيْ: جزاء ما {كانوا يعملون}.
{واتخذ قوم موسى من بعده} أَيْ: من بعد انطلاقه إلى الجبل {من حليِّهم} التي بقيت في أيديهم ممَّا استعاروه من القبط {عجلاً جسداً} لحماً ودماً {له خوار} صوتٌ {الم يروا} يعني: قوم موسى {أنه} أنَّ العجل {لا يكلَِّمهم ولا يهديهم سبيلاً} لا يرشدهم إلى دينٍ {اتخذوه} أَيْ: إلهاً ومعبوداً {وكانوا ظالمين} مشركين.

.تفسير الآيات (149- 150):

{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)}
{ولما سُقط في أيديهم} أَيْ: ندموا على عبادتهم العجل {ورأوا أنهم قد ضلوا} قد ابتلوا بمعصية الله، وهذا كان بعد رجوع موسى إليهم.
{ولما رجع موسى إلى قومه غضبان} عليهم {أسفاً} حزيناً؛ لأنَّ الله تعالى فتنهم {قال بئس ما خلفتموني من بعدي} بئسما عملتم من بعدي حين اتَّخذتم العجل إلهاً، وكفرتم بالله {أعجلتم أمر ربكم} أسبقتم باتَّخاذ العجل معياد ربِّكم؟ يعني: الأربعين ليلة، وذلك أنَّه كان قد وعدهم أن يأتيهم بعد ثلاثين ليلةَ، فلمَّا لم يأتهم على رأس الثَّلاثين قالوا: إنَّه قد مات {وألقى الألواح} التي فيها التَّوراة {وأخذ برأس أخيه} بذؤابته وشعره {يجرُّه إليه} إنكاراً عليه إذ لم يلحقه فَيُعرِّفه ما فعل بنو إسرائيل، كما قال في سورة طه: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألاَّ تتبعنِ...} الآية. فأعلمه هارون أنَّه أَنَّما أقام بين أظهرهم خوفاً على نفسه من القتل، وهو قوله: {قال ابن أمَّ} وكان أخاه لأبيه وأُمِّه، ولكنَّه قال: يا ابنَ أمَّ ليرقِّقه عليه {إنَّ القوم استضعفوني} استذلُّوني وقهروني {وكادوا} وهمُّوا أن {يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} يعني: أصحاب العجل بضربي وإهانتي {ولا تجعلني} في موجدتك وعقوبتك لي {مع القوم الظالمين} الذين عبدوا العجل، فلمَّا عرف براءة هارون ممَّا يوجب العتب عليه، إذا بلغ من إنكاره على عبدة العجل ما خاف على نفسه القتل.

.تفسير الآيات (151- 156):

{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
{قال ربِّ اغفر لي} ما صنعتُ إلى أخي {ولأخي} إن قصَّر في الإِنكار {وأدخلنا في رحمتك} جنَّتك.
{إنَّ الذين اتخذوا العجل} يعني: اليهند الذين كانوا في عصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهم أبناء الذين اتَّخذوا العجل إلهاً، فأضيف إليهم تعييراً لهم بفعل آبائهم {سينالهم غضب من ربهم} عذابٌ في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} وهي الجزية {وكذلك نجزي المفترين} كذلك أعاقب مَن اتَّخذ إلهاً دوني.
{والذين عملوا السيئات} الشِّرك {ثم تابوا} رجعوا عنها {وآمنوا} صدَّقوا أنَّه لا إله غيري {إنَّ ربك من بعدها} من بعد التَّوبة {لغفور رحيم}.
{ولما سكت} سكن {عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي كان ألقاها {وفي نسختها} وفيما كُتب فيها: {هدىً} من الضَّلالة {ورحمة} من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} للخائفين من ربِّهم.
{واختار موسى قومه} من قومه {سبعين رجلاً لميقاتنا} أمره الله تعالى أن يأتيه في ناس من بي إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعده لذلك موعداً، فاختار موسى سبعين رجلاً ليعتذروا، فلمَّا سمعوا كلام الله قالوا لموسى: أرنا الله جهرةٌ فأخذتهم {الرَّجفة} وهي الحركة الشَّديدة، فماتوا جميعاً، فقال موسى: {رب لو شئت أهلكتهم} وإيَّاي قبل خروجنا للميقات، وكان بنو إسرائيل يُعاينون ذلك ولا يتَّهمونني، ظنَّ أنَّهم أهلكوا باتِّخاذ أصحابهم العجل، فقال: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وإنَّما أُهلكوا لمسألتهم الرُّؤية {إن هي إلاَّ فتنتك} أَيْ: تلك الفتنة التي وقع فيها السُّفهاء لم تكن إلاَّ فتنتك، أي: اختبارك وابتلاؤك أضللتَ بها قوماً فافتتنوا، وعصمتَ آخرين وهذا معنى قوله: {تضل بها مَنْ تشاء وتهدي مَنْ تشاء}.
{واكتب لنا} أوجب لنا {في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} أَي: اقبل وفادتنا، ورُدَّنا بالمغفرة والرَّحمة {إنا هُدْنا إليك} تبنا ورجعنا إليك بالتَّوبة {قال عذابي أصيب به من أشاء} آخذ به مَنْ أشاء على الذَّنب اليسير {ورحمتي وسعت كلَّ شيء} يعني: إنَّ رحمته في الدُّنيا وسعت البرَّ والفاجر، وهي في الآخرة للمؤمنين خاصَّةً، وهذا معنى قوله: {فسأكتبها} فسأوجبها في الآخرة {للذين يتقون} يريد: أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم {ويؤتون الزكاة} صدقات الأموال عند محلها {والذين هم بآياتنا يؤمنون} يصدِّقون بما أنزل على محمد والنَّبييِّن.

.تفسير الآية رقم (157):

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}
{الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ} وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ، وكانت هذه الخلَّة مؤكِّدة لمعجزته في القرآن {الذي يجدونه} بنعته وصفته {مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل يأمرهم بالمعروف} بالتَّوحيد وشرائع الإِسلام {وينهاهم عن المنكر} عبادة الأوثان وما لا يُعرف في شريعة {ويحلُّ لهم الطيبات} يعني: ما حرَّم عليهم في التَّوراة من لحوم الإِبل، وشحوم الضَّأن {ويحرِّم عليهم الخبائث} الميتة والدَّم، وما ذُكر في سورة المائدة {ويضع عنهم إصرهم} ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم {والأغلال التي كانت عليهم} الشَّدائد التي كانت عليهم، كقطع أثر البول، وقتل النَّفس في التَّوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة {فالذين آمنوا به} من اليهود {وعزَّروه} ووقَّروه {ونصروه} على عدوه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني: القرآن.. الآيتين.